اليمن بعد تنفيذ أكبر صفقة تبادل للأسرى.. أفراح منقوصة وآمال معلقة

مُسند للأنباء - الجزيرة نت - مراد العريفي   [ الجمعة, 16 أكتوبر, 2020 07:11:00 مساءً ]

لم تستوعب أم البراء نبرات صوت المتحدث إليها عبر الهاتف. مرت ثوان بدت لها كحلم، لكنها كانت تلامسه حقيقة، إذ كان أبو البراء يزف لها خبرا لطالما تمنت سماعه خلال الأعوام الخمسة الماضية.
 
كان خالد النهاري -وهو أبٌ للبراء وشقيقتيه ريتاج ورسيل- يتحدث إلى زوجته فور وصوله مدينة سيئون بحضرموت (شرقي اليمن)، حيث أُفرج عنه ضمن 710 أسرى ومعتقلين، في عملية تبادل بين الحكومة اليمنية والتحالف السعودي الإماراتي من جهة وبين جماعة الحوثي من جهة أخرى، بإشراف الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي.
 
يقول النهاري عبر الهاتف للجزيرة نت "أشعر كأنني ولدت من جديد، لا أستطيع أن أصف الفرحة التي أعيشها وأنا ألامس الأرض، وأتحرك بملء إرادتي بعد سنوات من التقييد والحرمان والتعذيب".
 
اختُطف النهاري من قبل الحوثيين منتصف 2015 من منزله في العاصمة صنعاء، وحُكم عليه بالإعدام على رأس مجموعة تضم 30 شخصا جرى احتجازهم بتهم ملفقة، بما فيها التجسس لصالح التحالف الذي تقوده السعودية، في أعقاب إجراءات محاكمة تشوبها عيوب جوهرية، وفق ما قالت حينها منظمة العفو الدولية.
 
عملية الإفراج
 
يقول النهاري للجزيرة نت إن الحوثيين تلاعبوا بمشاعره وآخرين حتى اللحظات الأخيرة، فقبل يومين أعدّوهم للإفراج، وفي اللحظات الأخيرة أبلغوه مع آخرين بأن أسماءهم ستُحتجز لأن خللا ما طرأ في إجراءات صفقة التبادل.
 
وأضاف "تواصلت مع الطرف الحكومي وقالوا لنا إن كل الإجراءات صحيحة، وفي اللحظات الأخيرة أفرج عنا الحوثيون".
 
وأوضح أن 8 من ضمن 30 حكم عليهم الحوثيون بالإعدام قد أُفرج عنهم، بينما لا يزال 22 آخرون معتقلين، مشيرا إلى أن التهم الموجهة لهم كانت ملفقة وغير حقيقية.
 
وعن ظروف الاحتجاز خلال السنوات الخمس، قال النهاري إنه احتُجز مع آخرين لعامين في قبو الأمن السياسي بصنعاء في ظروف بالغة السوء، لافتا إلى تعرضه لتعذيب ومعاملة سيئة حتى يُجبَر على الاعتراف بتهم كاذبة تحت الإكراه والتعذيب.
 
لكنّ لحظات الفرح التي صاحبت عملية الإفراج محت سنوات العذاب لدى خالد النهاري، وقال إن ذلك يعطي آمالا لآلاف اليمنيين الذين غُيّب ذووهم في السجون ومراكز الاحتجاز منذ اندلاع الحرب مطلع عام 2015.
 
أفراح منقوصة
 
وتفجّرت دموع الفرح لدى الأهالي والمفرج عنهم مع نزول الأخيرين من طائرات الصليب الأحمر التي نقلتهم من مطار صنعاء إلى مطار سيئون بحضرموت والعكس، بينما حرصت السلطات لدى الجانبين على تنظيم استقبال شعبي ورسمي لهم.
 
وارتمت أسماء في صدر والدها علي حجر بعد 5 سنوات و4 أيام كانت الطالبة الجامعية تعدها بالساعات، كما تقول للجزيرة نت.
 
وتضيف أسماء "هذا اليوم تاريخ لن أنساه، إذ يمثل لي تاريخ الحرية بعد أن لامست أبي للمرة الأولى منذ زمن طويل، أشعر كأني في عيد لا ينتهي".
 
لكن الوالد الذي اختُطف من منزله عقب اقتحام الحوثيين له بالسلاح قبل 5 سنوات، بدا متعبا. ووفق أسماء، فإن والدها يعاني من أمراض كثيرة، من بينها الضغط والقولون العصبي والكلى والأمراض الجلدية بسبب السجن.
 
وفي الوقت الذي كانت فيه الألعاب النارية تزين سماء صنعاء وموكب الأسرى يسير في شوارع المدينة، كان الناشط في رابطة أمهات المختطفين وضاح المنصوري -شقيق الصحفي المختطف لدى الحوثيين توفيق المنصوري- يغالب حزنه في مدينة سيئون.
 
تمنى وضاح أن يرى شقيقه المحكوم عليه بالإعدام في صفوف المفرَج عنهم، غير أن ذلك لم يتحقق.
 
يقول للجزيرة نت "كنت أعيش فرحة وحزنا في آن واحد، سعيد لإطلاق سراح 5 من الصحفيين المختطفين، وتخنقني الغصة والوجع لأن شقيقي توفيق و3 آخرين من زملائه لم يكونوا معهم".
 
ويضيف أن أطفال توفيق والآخرين وأسرهم كانوا يتمنون أن يعيشوا فرحة اللقاء بأحبائهم بعد 5 سنوات من الاختطاف والإخفاء والتعذيب والحرمان، وسلسلة طويلة من المعاناة التي يعيشونها.
 
لكن ما جرى أعطى أملا بالإفراج عن شقيقه والآلاف الذين ما يزالون في السجون.
 
ويقول وضاح إن "إتمام ونجاح هذه الصفقة فتح لنا باب أمل لإطلاق سراح شقيقي الصحفي توفيق المنصوري وزملائه الثلاثة، لكن بالطبع إنجاز صفقة أخرى مثل هذه ربما قد تحتاج إلى وقت طويل، لذلك من المهم أن تقوم الأمم المتحدة ومبعوثها مارتن غريفيث والحكومة اليمنية، بدور كبير وضاغط على المليشيات الحوثية للإفراج عن الصحفيين المختطفين".
 
مفاوضات بعد شهر
 
ووفق وكيل وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية ماجد فضائل -العضو المفاوض في مباحثات الأسرى التي ترعاها الأمم المتحدة- فإن نجاح عملية تبادل أكثر من ألف أسير يعزز من المضي قدما في الإفراج عن آلاف الأسرى لدى الجانبين.
 
وقال للجزيرة نت إن الطرفين اتفقا على مواصلة المباحثات للإفراج عن الأسرى والمعتقلين، مكتفيا بالقول إنه لا توجد حصيلة محددة لهم.
 
وكان الجانبان وافقا خلال محادثات السويد في ديسمبر/كانون الأول 2018 على تبادل 15 ألف أسير، ومنذ ذلك الوقت جرت عمليات تبادل محدودة رعاها وسطاء قبليون على خطوط القتال بين الحكومة والحوثيين.
 
وأشار فضائل إلى أن هناك جولة مفاوضات بعد نحو شهر برعاية الأمم المتحدة، تشمل أعدادا أكبر بينها الـ4 المشمولون بقرار مجلس الأمن رقم 2216، وهم: وزير الدفاع السابق اللواء الركن محمود الصبيحي، والقيادي البارز في حزب الإصلاح محمد قحطان، والقائد العسكري فيصل رجب، والقائد العسكري ناصر هادي (شقيق الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي).
 
وقال المسؤول اليمني إن "الحوثيون مليشيات لا أخلاق لها، توظف مصير المختطفين الأربعة والصحفيين المختطفين كرهائن للاستغلال السياسي وابتزاز الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي".
 
واعتبر أن الحوثيين يضعون شروطا تعجيزية للإفراج عن هؤلاء الأربعة وبقية المختطفين المدنيين، من ضمنها الاعتراف بهم، وقال إن استمرار الحرب يبقي ملف الأسرى والمختطفين قائما، في إشارة إلى أن الحوثيين يخطفون مدنيين من منازلهم للمقايضة بمسلحيهم الذين يقعون في الأسر خلال المعارك.
 
أسرى سعوديون وسودانيون
 
في المقابل، يقول رئيس اللجنة الوطنية للأسرى التابعة للحوثيين عبد القادر المرتضى إن لديهم عددا كبيرا من أسرى القوات السعودية والسودانية، بالإضافة إلى الآلاف من أسرى الحكومة اليمنية، دون أن يحدد هو أيضا حصيلة معينة.
 
وقال -في حديث للجزيرة نت عبر الهاتف- إن من المهم تحقيق انفراجة في ملف الأسرى، لكنه أشار إلى تعقيدات كبيرة تقف أمام تحقيق إنجازات، أبرزها التباينات والخلافات الموجودة لدى الحكومة اليمنية والتحالف السعودي الإماراتي.
 
وأضاف "الاختلافات لدى الطرف الآخر تؤدي إلى تباين وجهات النظر لديهم، وتتسبب في فشل الكثير من الاتفاقات التي يجري التوصل لها معهم".
 
ويعتقد المرتضى أن ما تحقق يشكل مكسبا لجميع الأطراف، خاصة أن الملف يعد إنسانيا في المقام الأول، مؤكدا أن مفاوضات قادمة وقريبة ستُعقد بين الأطراف، وستحدد الأمم المتحدة مكان وزمان انعقادها.
 
فصل ملف الأسرى عن السياسي

 
ويقول رئيس المركز الأميركي للعدالة عبد الرحمن برمان إن الحوثيين هم من فرضوا الاتفاق، وتحفظوا على أسماء كثر من بينها المحكوم عليهم بالإعدام، لكن الفريق الحكومي ضغط خلال المفاوضات ليتمكن من الإفراج عن 8 من المحكوم عليهم بالإعدام.
 
وطالب برمان -في حديثه للجزيرة نت- بضرورة فصل ملف الأسرى عن الملف السياسي، وقال إن "من المؤسف أن يرتبط مصير الآلاف من المدنيين الذين خُطفوا من الشوارع برغبات أمراء الحرب".
 
وأضاف أن الحوثيين يربطون ملف الأسرى بالملف السياسي، وحولوا العشرات من السجناء لرهائن، إذ إنهم لم يفصحوا عن مصير بعض المختطفين حتى اللحظة.
 
وتابع أن عملية التبادل الأخيرة حلّت جزءا من المأساة الإنسانية، لكنه أشار إلى أن إشكاليات تتعلق بالوضع الصحي للمفرج عنهم، معبرا عن خشيته من أن تتخلى عنهم الحكومة.
 
وشدد رئيس المركز الأميركي للعدالة على أن يمارس المجتمع الدولي دورا حقيقيا للضغط على جميع الأطراف للإفراج عن الأسرى والمعتقلين.




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات