تحالف الأقوياء.. هل يُحقِّق التعاون النووي بين تركيا وباكستان أهدافه؟

تحالف الأقوياء.. هل يُحقِّق التعاون النووي بين تركيا وباكستان أهدافه؟
مُسند للأنباء - ميدان   [ الأحد, 21 يونيو, 2020 03:44:00 صباحاً ]

في إبريل/نيسان عام 2017، أراد الحزب الحاكم في تركيا "العدالة والتنمية" كسب نقاط انتخابية لصالحه عبر الترويج لشعبية بلاده في العالم الإسلامي السني تحت حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ولتحقيق ذلك، موّل الحزب إعلانا ترويجيا صُوِّر في الأراضي الباكستانية يُظهِر زوجين تركيين يجلسان في مقهى يتفاجآن بمذكرة الحساب التي سلّمها إليهما النادل الباكستاني وقد دُفعت، وقبل أن تتمكّن علامات الدهشة أكثر من الزوجين المشوّشين أخبرهما النادل أن "السيد أردوغان قام بتسديد الفاتورة".
 
إلى حدٍّ أكبر مما يروج إليه الإعلان السابق، تتنامى العلاقات الإستراتيجية الممتدة لعقود بين البلدين، ففي باكستان التي دُعمت من أنقرة بعد وقت قصير من تقسيمها من قِبل الهند، لا غرابة أن تجد طرقا وشوارع باسم مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، وبالمثل كان الوضع في تركيا التي يسمى طريق رئيسي في عاصمتها باسم مؤسس باكستان محمد علي جناح، وفي السنوات الأخيرة واصلت إسلام آباد مد يد العون لتركيا، فكان رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف من أوائل من اتّصلوا بأردوغان لدعمه إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا عام 2016.
 
وهو الموقف الذي ساهم في دفع أردوغان لتكثيف العلاقات الثنائية بين البلدين، تلك العلاقات التي كان يقودها أردوغان بنفسه، حين زار باكستان أربع مرات، آخرها في فبراير/شباط الماضي للمشاركة في الجلسة السادسة لمجلس التعاون الإستراتيجي الباكستاني التركي بصحبة وفد كبير من الوزراء والمستثمرين وممثلي قطاع الأعمال، ومنعا للعزلة الدولية لكلا البلدين، واصلت أنقرة دعم إسلام آباد في القضية الأهم الخاصة بإلغاء الحكومة الهندية المادة 370 التي أعطت وضعا ذاتيا لمنطقة جامو وكشمير المتنازع عليهما، مقابل ذلك لم تتوانَ باكستان عن الانضمام إلى مجموعة صغيرة من الدول التي انحازت إلى الموقف التركي خلال "عملية ربيع السلام" في شمال شرق سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2019، كما أكّدت مؤخرا دعمها للموقف العسكري التركي في المسرح السوري الحالي.
 
لكن الأهم بالنسبة لحليفَيْ واشنطن هو التعاون العسكري الوثيق القائم أيضا منذ فترة طويلة، فخلال الحرب الباردة مهّد الإدراك المتبادل للتهديد السوفيتي الطريق لتقوية العلاقات التركية الباكستانية خلال القرن الماضي، ثم بعد صعود أردوغان الذي أراد أن تصبح بلاده أكثر استقلالية عن "الغرب"، كانت باكستان -وهي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك أسلحة نووية منذ عام 1997- خيارا مهما كشريك يمكنه أن يُحقِّق لأنقرة تنويعا في علاقاتها الدفاعية، وفي الوقت الذي يمر فيه الاتحاد الأوروبي بعملية تحوُّل، أضحت باكستان هي الشريك الإستراتيجي الذي يساعد تركيا للحفاظ على التوازن بين الشرق والغرب، ويزيد نفوذها في آسيا.
 
في بداية الخمسينيات، قرّرت الولايات المتحدة إنشاء قاعدة جوية على أراضي مدينة أضنة التركية بُغية ردع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وتحديدا في العام 1955 أصبحت تلك القاعدة المعروفة باسم "إنجرليك" جاهزة تملؤها الأسلحة والمعدات والجنود الذين يبلغ عددهم اليوم ألفَيْ جندي أميركي.
 
إمكانيات "إنجرليك" العسكرية أتاحت للقاعدة الوصول إلى كل بقعة ساخنة في الشرق الأوسط، حيث كانت القاعدة على مر السنوات مركزا لوجستيا ومرفق دعم شارك في جملة من النزاعات في الشرق الأوسط، بدءا بأزمة لبنان 1958 إلى حرب الخليج، وليس انتهاء بالمشاركة في الحرب الجوية ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في سوريا والعراق، ومع دورها هذا تبقى النقطة الأكثر حساسية لوجود هذه القاعدة هي احتواؤها على قنابل نووية حسبما أقرّت إدارة ترامب مؤخرا، ففيها يوجد ما يقرب من 50 قنبلة نووية من طراز (B61K) وُضِعت كجزء من سياسة التقاسم النووي للحلف العسكري الغربي للناتو، وهي قنابل الجاذبية النووية الحرارية مع (FUFO) قابل للتعديل (خيار الانصهار الكامل) الذي يسمح بإنتاج منخفض إلى متوسط ​​يتراوح من 0.3 إلى 340 كيلو طن، ورغم أن الأسلحة تخضع لسيطرة الولايات المتحدة فإن المخاوف تُثار بين الفينة والأخرى حول مصيرها بسبب عدم الاستقرار الإقليمي والخلافات السياسية في المنطقة، خاصة أن أنقرة -حسب المصادر الأميركية- تعتبر الأسلحة الموجودة على الأراضي التركية "تركية بالفعل"، وهو ما كان يُغذي شعورها إلى حدٍّ ما بعدم الحاجة إلى قنبلة خاصة بها.
 
بيد أن وجود السلاح النووي الأميركي على الأراضي التركية لم يحجم أنقرة عن محاولات امتلاك أسلحة نووية، فقد تركت أنقرة "خياراتها النووية مفتوحة" كما أشار تقرير عام 2012 من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي المعنون بـ "تركيا والقنبلة"، وفي العام 1979 بدأت أنقرة في تشغيل عدد قليل من المفاعلات البحثية الصغيرة، ومنذ عام 1986 أخذت تُنتج وقود مفاعلات في مصنع تجريبي في إسطنبول يعالج أيضا وقودا مستهلكا ونفايات عالية الإشعاع، واليوم تؤدي موسكو دورا متزايد الأهمية في التخطيط النووي التركي طويل المدى، حيث تعمل على بناء أربعة مفاعلات نووية في تركيا تأخر سير عملها عن الموعد المحدد، فالمفاعل الأول، الذي كان من المقرر أصلا أن يبدأ تشغيله في العام الجاري، أصبح من المنتظر أن يبدأ عمله في أواخر عام 2023.
 
وبرغم أن تركيا لا تزال في طور وضع المخططات، وليس من السهل عليها أن تحصل على الوقود الذي يُعَدُّ أصعب جزء في عملية حيازة القنابل وبناء ترسانة نووية سرية، فإنها قطعت شوطا مهما وأخذت بتعلم المهارات الهائلة اللازمة لتنقية اليورانيوم وتحويله إلى بلوتونيوم لاستخدامه في الرؤوس الحربية النووية، وهما الوقودان الرئيسيان للقنابل الذرية.
 
لم يكن من المنطقي اعتبار موقف أردوغان السابق مجرد تصريح "ناري" يهدف إلى ترهيب خصومه، فالأرجح أن ما قاله جاء في إطار التحوُّل الملموس في سياسة بلاده التي انضمت إلى اتفاقية معاهدة حظر الانتشار النووي في عام 1980، ولديها برنامج نووي مدني تتعاون في توسيعه مع شركات روسية ويابانية، فتركيا التي تفتقر إلى دفاع جوي وصاروخي إستراتيجي أمام خصومها الإقليميين، فهي مَن أصرّت بشكل واضح على امتلاك منظومة صواريخ أرض-جو المتطور من موسكو (S-400) ضاربة بالتحذيرات الأميركية عرض الحائط، كما حدث وأن هدّدت أنقرة بتطوير أسلحة نووية خاصة بها ردا على دعوات الإدارة الأميركية التي تُطالبها بإزالة أو تعطيل القنابل النووية في قاعدة "إنجرليك".
 
ويُعَدُّ العامل الأهم في موقف أردوغان هو تخوفاته من إدارة ترامب الساعية نحو تقليل التزامات واشنطن في الشرق الأوسط، إذ ترى تركيا أهمية العمل على تعزيز مكانتها في المنطقة، الأمر الذي قد يكون الحصول على أسلحة نووية مهما لتحقيقه، وكما يقول المحلل الأمني الإسرائيلي آريه إجوزي: "بعد انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، يبدو أن هناك حاجة ملحة جديدة بشأن تعديل السلطة في المنطقة التي بدأت قبل أربع سنوات على الأقل، مع محاولة إيران وروسيا ملء الفراغ"، ويضيف: "تحاول هذه القوى تنفيذ أحلامها الخاصة بالشهرة الإقليمية، لتكون لاعبا مُهيمنا يجب تضمينه في الديناميكيات الإقليمية، وفي هذا السيناريو قد تشعر تركيا أن الأسلحة النووية ستعطيها ميزة مهمة".
 
وفي وقت يرى فيه بعض المراقبين أن تركيا قد تُحجم عن أي خطوة فعلية نحو الصناعة النووية تجنُّبا لفرض عقوبات دولية تُنهك الاقتصاد التركي، يُشغَل خصوم تركيا بالعلاقة الدفاعية المزدهرة بين باكستان وتركيا وبارتباطها بالنووي المحتمل، على اعتبار أن باكستان تمنح أنقرة علاقات إستراتيجية عسكرية مهمة، حيث نمت علاقاتهما العسكرية منذ العام 1988 بموجب آلية المجموعة الاستشارية العسكرية الباكستانية التركية، ثم ساهم برنامج تبادل التدريب للقوات المسلحة بين جيشي البلدين الذي افتُتح عام 2000 في تدريب ما يقرب من 1500 ضابط عسكري باكستاني في تركيا.
 
كما عُزِّز التعاون الثنائي في مجال الدفاع والأمن من خلال صفقات دفاعية مهمة في 2018، واليوم تُعَدُّ تركيا ثاني أكبر مورد للأسلحة الباكستانية بعد الصين، وقد أُضيف المزيد من التقارب بين البلدين مع وصول رئيس الوزراء الباكستاني الحالي عمران خان إلى السلطة عام 2018، حيث بات اعتياديا أن تنقل وسائل الإعلام أخبارا متسلسلة حول النشاط العسكري بين البلدين، كمشاركة السفينة البحرية الباكستانية "PNS Alamgir" و"P3C" طائرات الدوريات البحرية بعيدة المدى في التمرين متعدد الجنسيات "Dogu Akendiz 2019" في جنوب غرب تركيا، أو فوز أنقرة بمناقصة بمليارات الدولارات لتزويد أربعة طرادات إلى البحرية الباكستانية، وهي الصفقة التي اعتُبرت أكبر تصدير لصناعة الدفاع التركية في التاريخ، كذلك تقوم تركيا ببيع مروحياتها القتالية متعددة المهام "T129" المتقدمة الهجوم والاستطلاع التكتيكي (ATAK) إلى إسلام آباد.
 
أما فيما يتعلق بالتعاون النووي بين البلدين، فإن ذلك يعود إلى الفترة ما بين 1982-1984 عندما اتضح أن تركيا كانت مركزا خفيا للسوق السوداء للعالم الباكستاني عبد القادر خان -العقل المدبر لأكبر حلقة انتشار نووي "غير مشروع" في التاريخ-، وأن باكستان خططت في نهاية تسعينيات القرن العشرين لنقل إنتاج أجهزة الطرد المركزي إلى تركيا، كما عرض خان على الأتراك قائمة من الخبرة التقنية لصنع قنبلة.
 
في المحصلة، تُعنى تركيا بتحقيق أهدافها الإستراتيجية العسكرية التي تُعَدُّ باكستان رابطا مهما فيها، لكن لا يزال البلدان يواجهان عقبات أمام مزيد من التقارب بينهما بسبب بعض مواقف الدول العربية الحليفة لباكستان التي تعتبر تركيا تهديدا كبيرا لها، فأبو ظبي والرياض التي تحارب النفوذ التركي في العالم الإسلامي لم تتوانَ عن الضغط على إسلام آباد لمنعها من مزيد من التقارب مع تركيا.
 
تحت وطأة الحاجة إلى الدعم المالي من أبو ظبي والرياض لم يكن من المفاجئ أن يمتنع رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في أواخر العام الماضي عند حضور القمة الإسلامية المصغرة التي عُقدت في كوالالمبور، لكن برغم ما يُرجِّحه بعض المراقبين من محاولة باكستان موازنة علاقاتها مع كلٍّ من أنقرة والرياض، للحفاظ على الوضع الراهن، يُعَدُّ الحديث المتواصل عن التعاون في الإطار العسكري النووي سببا لظهور تحديات كبيرة أمام البلدين.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات