منزلك سبب في مرضك.. كيف يسبب تصميم البيوت المرض والإجهاد؟

منزلك سبب في مرضك.. كيف يسبب تصميم البيوت المرض والإجهاد؟
مُسند للأنباء - ميدان   [ الأحد, 07 يونيو, 2020 01:23:00 صباحاً ]

بفرض إجراءات العزل الاجتماعي في معظم دول العالم، صرنا في مواجهة منازلنا أطول من أي وقت مضى، والبعض اكتشف أن منزله لن يسعه كل هذا الوقت، فانتابه شعور بالضيق أو عدم القدرة على التركيز والإنتاج لأسباب مختلفة، لكنّ سببا خفيا لهذا الشعور قد يعود لطبيعة المنزل نفسه، الهواء والإضاءة، وخصائصه من حيث العمارة، فإما أن تجعله يبدو لنا رحبا أو لا تجعله كذلك، فما الذي يخبرنا به المتخصصون في العمارة، وكيف للمنزل أن يتسع لنا أو يضيق بنا فقط لتوافر بعض العناصر؟
 
إن المنزل الذي نعتبره ملاذنا من تلوث الخارج، والمباني المغلقة بشكل عام مثل المكاتب والصالات الرياضية التي نقضي فيها أغلب أوقاتنا، خاصة مع تزايد الاهتمام بنوعية الهواء الذي يتنفسه البشر وما تتسبّب فيه عوادم السيارات والمصانع من تلوث، لا يبدو بالفعل آمنا ونظيفا كما نعتقد، إذ كشفت بيانات منظمة الصحة العالمية قبل عقود قليلة فقط أن الهواء الذي نستنشقه داخل المباني ملوث ومنخفض الجودة، وازداد هذا التلوث بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بسبب تشييد المباني الموفرة للطاقة، وافتقار البنايات للتهوية الكافية، وزيادة استخدام مواد البناء والمفروشات الصناعية ومنتجات العناية الشخصية والمبيدات الحشرية، مما يُسبِّب أنواعا من الحساسية ومشكلات التنفس ومشكلات أخرى لا تظهر مباشرة مثل الإجهاد العقلي. (1)
 
مرض العمارة.. يُلازمك في المبنى ويتركك خارجه
يؤدي تلوث الهواء داخل المباني إلى سلسلة من مشكلات الجهاز التنفسي خاصة لمَن يعانون من الربو، ويُظهر بعض الأشخاص الأعراض نفسها خلال قضائهم وقتا في مساحة داخلية، مثل الصداع وصعوبة التركيز وآلام العضلات، وجفاف الحلق وانسداد الأنف وحتى الغثيان، قد يكون هناك مصدر محدد، كما هو الحال في مرض الفيالقة (الذي يتسبّب فيه نوع من البكتريا)، وقد لا يمكن العثور على السبب في أحيانٍ أخرى فيما يُعرف باسم "متلازمة مرض العمارة" التي تتكرّر مع أغلب الموجودين في المبنى، وتنتج عن المركبات العضوية المتطايرة والغازات الصادرة عن بعض الآلات المكتبية والمواد الكيميائية المستخدمة في الداخل، وتختفي الأعراض بعد مغادرة المبنى بدقائق. ظهر هذا المرض قبل أربعة عقود حين صاغت منظمة الصحة العالمية مجموعة من المشكلات الناجمة عن سوء التهوية وإزالة الرطوبة الحرارية والشحنات الكهرومغناطيسية والأبخرة ذات الأصل الكيميائي التي تتنقل في المباني التي نعيش ونعمل فيها. لقد أدّى الهوس بالمباني الموفرة للطاقة إلى مشكلات في التهوية وإلى تلوث الهواء الذي نتنفسه في الداخل بسبب عدم اتخاذ تدابير لتجديد الهواء.
 
اليوم، وبعد مرور أربعة عقود ووجود عديد من اللوائح التي تُنظِّم إنشاء وتجديد المباني حول العالم، تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن المتلازمة تُصيب 30% من المباني الحديثة وما بين 10-30% من شاغليها، تُشير الدراسات إلى أن معدل انتشار أعراض مرض العمارة يرتبط بشكل أساسي بالتهوية؛ المبنى الأقل تهوية يكون أكثر تأثرا. حتى اليوم لا يوجد تشريع يُنظِّم المستويات القصوى للملوثات في الأماكن المغلقة. وقد نشرت منظمة الصحة العالمية دليلا لجودة الهواء الداخلي يصف الملوثات الرئيسية وأصلها وتأثيرها على صحة الناس، لكن المشكلة تكمن في التنوع الكبير في المصادر التي يمكن أن تأتي منها هذه الملوثات وتأثير عوامل أخرى مثل عدد العاملين أو السكان الذين يتركزون في الغرفة نفسها ونوع تهويتها.(2)
 
الداخل أكثر تلوثا
يقول توني نيكولاس سالامي، الرئيس التنفيذي لشركة "Siber" المتخصصة في أنظمة التهوية الذكية، إن الحديث عن مشكلات جودة الهواء الداخلي لا يتعلق فقط بالهواء الملوث الذي يخترق المباني، فهو يرتبط بالمواد الملوثة والعث والمواد الاصطناعية وغازات الأجهزة المنزلية والرطوبة داخل المبنى.(3) وتُشير بعض الدراسات إلى أن تركيز الجزيئات الملوثة داخل المبنى يبلغ ضعفين وأحيانا خمسة أضعاف الهواء في الخارج. فداخل المبنى تنبعث مواد سامة من الأثاث والمنتجات المستخدمة في التنظيف المنزلي وبعض المركبات الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو الألياف الزجاجية ودخان التبغ والطابعات وآلات النسخ والدهانات والورنيش، وما يحدث هو أن هواء الداخل يجمع الملوثات المنبعثة من المبنى نفسه إلى الملوثات القادمة من الخارج عبر النوافذ.
 
في بعض الأحيان يكون من السهل التأكد من أننا أمام مبنى مريض، لكن في حالات أخرى يصعب التأكد، وتكون المؤشرات الوحيدة لذلك هي المضايقات التي يعاني منها مَن يعيشون في المبنى، وأبرز الأسباب التي يمكن من خلالها تصنيف المبنى المريض هي نظام التهوية السيئ، أو معدات تكييف الهواء ذات الكفاءة الرديئة، أو الإضاءة غير المناسبة والتي لا تعتمد على الضوء الطبيعي، إلى جانب استخدام معطرات الجو بكثرة، وإساءة استخدام أنظمة تكييف الهواء في الصيف، والتدفئة المبالغ فيها في فصل الشتاء، وانبعاث الغازات الضارة من مواد البناء مثل غاز الرادون. أما ما يمكن ملاحظته على العاملين في المبنى فهو الشعور بالإرهاق وفقدان الحماس في مكان العمل وتعدد أيام الغياب، وهو ما يحدث عادة بسبب ضيق التنفس. (8)
 
لعاداتنا دور أيضا
يُقسِّم ألفونسو جودوي من شركة "Arqbag" للعمارة مصادر التلوث إلى مصدرين؛ الأول ينتج عن استخدامات الأفراد وعاداتهم مثل الرطوبة والطهي واستخدام المنتجات الكيماوية، أما الآخر فهو ما تتسبّب فيه مكونات المبنى نفسه مثل الطلاء والأثاث. ويؤكد جودوي أن التلوث في المنزل أكبر من التلوث في المكاتب الكبيرة على عكس ما قد نعتقد، نعم تنبعث الغازات من أجهزة الكمبيوتر والطاولات والكراسي لفترة من الوقت وهي مركبات عضوية متطايرة تُسبِّب تهيجا، لكن الملوثات في المنازل موجودة بكميات قليلة لا يمكن ملاحظتها وهو ما يجعل تأثيرها أسوأ. كما أن أحد المصادر الشائعة لتلوث الهواء الداخلي وفقا لجمعية الرئة الأميركية هي الأجهزة المنزلية التي لا تتضمن تهوية جيدة مثل الأفران والمواد الكيميائية المنزلية والطلاء.(9)
 
كذلك فإن الاضطرابات الناتجة عن الرطوبة هي إحدى المشكلات داخل المنازل أيضا، ويعاني منها 15% من سكان أوروبا، إذ ينتج عنها كائنات دقيقة تؤثر سلبا في نوعية الحياة في المنزل، وفي المباني القديمة ذات التهوية الرديئة تظهر الفطريات وتتسبّب في التهاب رئوي حاد من بين أعراضه السعال الجاف والحمى والقشعريرة ويتطور أحيانا إلى تليف رئوي. لا تنتج الرطوبة دائما عن حالة المبنى نفسه من تسرب الماء من السقف أو رداءة النوافذ والأرضيات، ففي بعض الأحيان تتسبّب فيها بعض العادات مثل نشر الغسيل الرطب داخل المنزل، إذ ترتبط هذه الممارسة بزيادة حساسية عث الغبار وتكاثر الجراثيم الذي يؤدي إلى التهابات الرئة خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة.(10)
 
البناء الحيوي ليس سهلا
كانت المنازل قبل بضعة عقود أكثر ارتباطا بالبيئة الطبيعية منها اليوم، فكانت تستخدم المواد الطبيعية فقط مثل الحجر والخشب والجير والصوف والطين أو القش وغيرها، وكانت نظيفة وأكثر تكيفا مع البيئة ولديها اكتفاء ذاتي، أما اليوم فيبدو بناء مثل هذه المنازل سهلا من الناحية النظرية فقط، فالمواد ليست متاحة بالقدر ذاته في الواقع، كما أنها أصبحت أغلى ثمنا، ويزداد الأمر صعوبة بالنظر إلى تعدُّد الشروط التي يجب الالتزام بها لإقامة بناء حيوي؛ التغيرات الجيولوجية للأرض والإشعاعات الاصطناعية من خطوط الكهرباء ذات الجهد العالي أو أبراج الهاتف الجوال، إلى جانب عوامل أخرى مثل البعد عن الضوضاء، كما يجب أن يبتعد البناء الحيوي عن المواد العازلة والسامة مثل المنتجات البترولية، ويستخدم مواد مثل الفلين والسليلوز والنورة (مادة تُصنع من الحجر الجيري) بدلا من الأسمنت والدهانات المعدنية الإيكولوجية.(11)
 
كيف يمكن علاج المباني؟
تُحدِّد جامعة هارفارد مواصفات البناء الصحي والذي تتوفر فيه جودة الهواء والتهوية ودرجة الحرارة والرطوبة المناسبة، ويقول فرناندو بينافيديس، أستاذ الصحة العامة بجامعة بومبيو فابرا ورئيس الجمعية الإسبانية لعلم الأوبئة، إن المستقبل يحمل نظرة إلى المباني باعتبارها مصدرا للصحة أكثر من كونها مصدرا للمرض، فهناك لوائح أوروبية يضعها متخصصون أصبحت إلزامية في كل الشركات، ومثلما يُعتنى بالكراسي والمكاتب والإضاءة ووضع الشاشات، يُعتنى أيضا بالجوانب المتعلقة بالتهوية والرطوبة.(12)
 
يُوصي الخبراء على سبيل المثال أن يكون الدرَج في مكان مضيء من المبنى وليس في مكان جانبي مظلم، ليمكن استخدامه بكثرة، وباستخدام ما يسمى بأنظمة التدفق المزدوج التي تعمل على تصفية الهواء الذي يدخل من الخارج بشكل صحيح، وتنقية الهواء الملوث الذي يتراكم في الداخل، وهو نظام بديل عن فتح النوافذ، هناك فرق كبير بين نظام التدفئة أو التبريد وبين التهوية، التدفئة أو التبريد يشعرنا بالراحة، لكنها لا تعني أننا نستنشق هواء نظيفا، ويؤكد ألفونسو جودوي ضرورة عمل الصيانة المناسبة لمثل هذه الأنظمة حتى لا تتراكم البكتيريا وتُسبِّب مشكلات أكبر، وأخيرا هناك بعض التدابير للحد من نسب التعرض لمرض العمارة من بينها:
ضمان تخصيص مساحة كافية للعاملين بالمبنى.(13)
وضع الأجهزة المكتبية كالطابعة وآلات التصوير في أماكن منفصلة جيدة التهوية.
تنظيف المباني جيدا، مع تجنُّب استخدام المواد ذات المكونات المتطايرة بكثرة.
الاحتفاظ بالمنتجات الكيماوية المستخدمة في التنظيف أو خراطيش الطابعة في مكان منفصل والحرص على تخزينها جيدا.
تحسين أنظمة التهوية للمباني وصيانتها واعتماد التهوية الطبيعية.(14)
تجنُّب مشكلات الرطوبة.
الحفاظ على درجة حرارة مريحة. المثالي هو ما بين 22-24 درجة، والرطوبة بين 40-60%.
تنظيم درجة الحرارة والرطوبة والضوضاء والإضاءة داخل المبنى، وضمان خلوّه من التدخين.
إجراء تنظيف دوري لقنوات التهوية للقضاء على البكتيريا وتحديث مرشحات التهوية ومعدات تكييف الهواء.
ضمان تدفق الهواء في جميع أنحاء المبنى من الداخل والخارج. (15)
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات