بعيدًا عن الانحيازات المسبقة.. هل بات حفتر قاب قوسين أو أدنى من السقوط؟

بعيدًا عن الانحيازات المسبقة.. هل بات حفتر قاب قوسين أو أدنى من السقوط؟
مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الثلاثاء, 19 مايو, 2020 11:13:00 صباحاً ]

على بُعد عدة كيلو متراتٍ من أكثر القواعد العسكرية تحصينًا في ليبيا، انتخبت حكومة الوفاق أفضل قواتها لانتزاع قاعدة «الوطية» الجوية؛ المركز الرئيس لقيادة عمليات حفتر في غرب ليبيا، وآخر قلاع حفتر في الساحل الغربي بعد مدينة ترهونة –جنوب شرق طرابلس- الجبهة الأسهل التي فشلت حكومة الوفاق في اقتحامها الشهر الماضي بعدما أطبقت الحصار عليها.
 
لكنّ التقدم الميداني الأخير لا يزال غامضًا ومتعثرًا في الجبهتين، حيث لا حسم عسكري لأي طرفٍ حتى الآن بعدما فشلت المحاولات في اقتحام القاعدة أو المدينة، وهو ما يبرره مصدرٌ في وزارة الإعلام الليبية لـ«ساسة بوست» بأنّ العملية لها أهدافٌ ومراحل مُحددة.
 
لكنّ تطورات المعركة على الجانب الآخر لم تحظ بالأضواء الكافية؛ فالجنرال الليبي أطلق مؤخرًا من قاعدة «الجفرة» -وسط ليبيا- عملية «طيور الأبابيل» لاستعادة السيطرة الجوية وبدء معركة استرداد ما خسره غرب ليبيا. التقرير التالي يقدم لك قراءة مختلفة للمعارك الأخيرة، وما هي العقبات السياسة والعسكرية التي تواجه كل طرف؟
 
لماذا يفشل حفتر والسراج في حسم معارك الوطية وترهونة؟
بعد نحو عامٍ على معركة طرابلس التي شنها الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، أطلقت حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا لأول مرةٍ ساعة الصفر لعملية «عاصفة السلام» التي انتزعت من خلالها ست مدن استراتيجية على الشريط الساحلي الممتد من العاصمة حتى الحدود مع تونس.
 
 
ورغم أنها كانت خسارة مدوية، إلا أنّ فقدان الساحل الغربي لا يشكل أي تهديدٍ لحفتر، طالما يظل محتفظًا بقاعدة الوطية، إلى جانب مدينة ترهونة، ومن خلفها قاعدة الجفرة الجوية، وهم مثلث القوى، ورؤوس الحربة التي سبق وعوَّل عليهم الجنرال الليبي في انتزاع ما فقده في جولاتٍ سابقة.
 
تعوّل حكومة الوفاق على تحرير قاعدة «الوطية» وتحويلها إلى منطقة آمنة لطيرانها بعيدًا عن الصواريخ بعيدة المدى التي سبق واستهدفت المطارات في مدينة مصراتة وطرابلس، بالإضافة إلى استخدامها في قصف خطوط الإمداد جنوب طرابلس، وقطع الاتصال الميداني بين شرق ليبيا وغربها، وتحويلها لرأس حربةٍ للهجوم على ترهونة، وقد تسببت تلك القاعدة في نجاح الحظر الجوي الذي فرضه حفتر مؤخرًا على العاصمة.
 
وتواجه القاعدة ثغرات عسكرية ممثلة في افتقادها لمنظومة دفاع جوي، وهو ما يفسر سهولة قصفها جوًا، وهو ما أضعف دفاعاتها العسكرية، إضافة إلى معرفة الوفاق المُسبقة بكل مداخلها ومخارجها، بحكم أنّ وزير الدفاع في حكومة الوفاق، الفريق أسامة الجويلي عمل سابقًا قائدًا للقاعدة الجوية، وهو الذي سبق ووصفها بالشوكة التي يجب تحييدها أولًا للانتصار على حفتر.
 
ورغم ثغرات القاعدة، إلا أنها تشكل عائقًا أمام قوات حكومة الوفاق، وتكمن خطورة الوطية –مساحتها 50 كم- التي شيدها الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، في موقعها المحصن طبيعيًا، فالقاعدة جغرافيًا ترتبط بتحصيناتٍ توفر لها الحماية الطبيعية من أي هجماتٍ سواء من الساحل أو من المسارب الجبلية التي تسيطر عليها قبيلة الزنتان الموالية لحفتر، كما أنّ أقرب منطقة مأهولة تبعد عنها 25 كلم، مما يجعل أي هجوم كبير على القاعدة، مكشوفًا أمام طائراتها الحربية ومدفعيتها الثقيلة.
 
وتتخوف حكومة الوفاق من الوقوع في حرب استنزافٍ أمام تحصينات قاعدة الوطية القوية، وقدرتها على الصمود لفترات طويلة أمام الحصار، بفضل مخازن الأسلحة ومحطة الوقود التي تمتلكها، وهو ما دفعها سابقًا بعد سيطرتها على الساحل الغربي لتغيير استراتيجيتها العسكرية بالهجوم على مدينة ترهونة بدلًا من القاعدة الجوية التي تمتلك تحصيناتها القوية، لكن ترهونة أيضًا بقيت صامدة حتى الآن.
 
من وجهة نظرٍ عسكرية، فانتصارات حكومة الوفاق الأخيرة لن تكتمل إلا بالسيطرة على مدينة ترهونة، وقاعدة الوطية الجوية – غرب ليبيا – لسببين؛ أولهما أنّ حلم السيطرة على طرابلس ينتهي بسقوط ترهونة، أما سقوط قاعدة الوطية فيسمنح الغرب الليبي حصانة دفاعية بعيدة عن الاستهداف، كما هو الوضع نفسه في شرق ليبيا، لذا فبقاء ترهونة، وقاعدة الوطية خارج سيطرة حكومة الوفاق، تضعف كثيرًا من تأثير كل الهزائم التي تكبدتها قوات حفتر، كونهما يمنحان الأخير أملًا في استعادة مدن الساحل الغربي، وإعادة السيطرة الجوية، وهو ما قد يرسم معادلة جديدة في معركة طرابلس.
 
وتفشل حكومة الوفاق في السيطرة على ترهونة منذ أطلقت معارك استرداد مدن غلاف العاصمة طرابلس، ورغم أنها تحاصرها من سبعة محاور، إلا أنها تستعصي على السقوط، كونها تحوي بداخلها مركز عمليات حفتر، إضافة إلى أنها معقل اللواء التاسع مشاة، أقوى الكتائب في غرب ليبيا، والأهم أنها تحتوي على دفاعاتٍ جويةٍ يُسيّرها مرتزقة شركة فاجنر الروسية، بحسب اتهامات رسمية من الوفاق، ورغم اختلال التوزان العسكري لقوات حفتر داخل المدينة، إلا أنها ما تزال صامدة بفضل الدعم القبلي الذي وفّر خزانًا بشريًّا من المقاتلين خلال محاور القتال.
 
وبعيدًا عن الأسباب العسكرية التي أطالت معارك مدينة ترهونة، وقاعدة الوطية، فيواجه كل من حفتر والسراج أزماتٍ أخرى تؤرق مشروعهما السياسي والعسكري في آن، وقد تؤثر بقوة على خريطة الصراع العسكري على الأرض.
 
4 تهديدات تؤرق انتصارات حكومة الوفاق
تتعددُ حاليًا جبهات الصراع الليبي في مسلسل فشل السيطرة على العاصمة الليبية، وكلما خسر حفترُ جبهةً أو تعرض للخناق وسّع دائرة أهدافه لتشمل الأحياء السكنية وكل منطقة تقع داخل مرمى مدى مدفعية نيرانه الثقيلة، ويوّثق نشطاء تعرض طرابلس في يومٍ واحد إلى ما لا يقل عن 150 صاروخ جراد، وهي استراتيجية إنهاكٍ يعتمدها حفتر ضمن حرب استنزاف حكومة الوفاق اقتصاديًا.
 
في أحدث تصريحٍ على نجاح استراتيجية حفتر، صرّحت مصادر مقربة من محافظ مصرف ليبيا المركزي لموقع «العربي الجديد» بتعرض حكومة الوفاق إلى حالة عجز مالي كبيرة دفعها إلى تغطية الإنفاق العام من الاحتياطيات من النقد الأجنبي، وهو ما يهدد بتبديدها في أقل من عامين، ما يعني أنّ حفتر قد ينتصر بالصمود.
 
تتفق صحة التصريحات مع البيانات الرسمية لمصرف ليبيا المركزي، والذي أظهر أن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي بلغت بنهاية شهر إبريل (نيسان) الماضي 76.8 مليار دولار، مقابل 134.5 مليار دولار بنهاية عام 2010، وهي الأزمة التي دفعت محافظ المصرف الليبي للجوء إلى القضاء لكبح سياسة السراج الاقتصادية.
 
الأزمة الثانية التي صنعت الأزمة الأولى هي الحصار النفطي الذي يهدد الانفاقات العسكرية لحكومة الوفاق منذ أغلق حفتر الموانئ النفطية في 17 يناير (كانون الثاني) الماضي، وبلغت الخسائر أربعة مليارات دولار بحسب المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، ويشكل النفط نحو 90% من مصادر الدخل القومي.
 
الأزمة الثالثة، تتمثل في إطلاق عملية «إيريني» العسكرية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي، ودخلت بالفعل حيّز التنفيذ قبل أيام من دون الحصول على الضوء الأخضر من الأمم المتحدة، وتهدف العملية لتطبيق قرار حظر توريد الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا عبر مراقبة بحرية.
 
العملية التي رحب بها حفتر، رفضتها حكومة الوفاق أكثر من مرة، وبحسب التصريحات الرسمية لحكومة الوفاق التي تخشى تعطيل مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين تركيا في ديسمبر (كانون الأول)، وهو ما سيحرمها من الشريان الرئيسي الوحيد الداعم لها، في وقتٍ يستمر فيه السماح بتدفق السلاح إلى قوات حفتر عبر الحدود البرية الليبية المصرية، وعن طريق الرحلات الجوية من مطارات أبو ظبي، بحسب اتهامات رسمية.
 
الأزمة الرابعة التي تؤرق انتصارات حكومة الوفاق هذه المرة هي طول المعارك التي أدخلتها في حرب استنزافٍ في ظل أزماتها الاقتصادية من ناحية، واستقطاب حفتر مرتزقةً روسيين وسوريين وسودانيين جددًا إلى محاور القتال، بحسب تقرير للأمم المتحدة، وحتى الآن لم تحقق حكومة الوفاق تقدّمًا عسكريًّا يمنحها أملًا بحسمها المعركة في كل من جبهات قاعدة الوطية، أو مدينة ترهونة، التي تعتبر حاليًا أخطر ثغرةٍ عسكرية مؤدية لداخل طرابلس.
 
تتضح خطورة المدينة في كونها لا تفصلها عن طرابلس أية مساحات أو حدود طبيعية، ولا حتى أحراش أو غابات أو مساحات مفتوحة، فهي عمليًّا جزء من جغرافية العاصمة وامتدادها العمراني، ويستحيل على الوفاق تأمين العاصمة طالما أنّ «ترهونة» تابعة لحفتر، بحسب تصريحاتٍ أدلى بها المتحدث الرسمي باسم عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة الوفاق، مصطفى المجعي لموقع «عربي 21». على الجبهة الأخرى، يواجه حفتر أزمات عسكريًّا وسياسيًّا تهدد مشروعه الذي أطلقه قبل عامٍ للسيطرة على طرابلس.
 
أزمات حفتر.. هل بات السقوط وشيكًا؟
شهد الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر انقلابًا في موازين القوى في المعركة التي أطلقها قبل عامٍ للسيطرة على طرابلس، وبداية السقوط كانت في 25 مارس الماضي، حين أطلقت حكومة الوفاق عملية «عاصفة السلام»، التي نجحت في إنهاء تحييد الحظر الجوي الذي فرضه حفتر منذ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي على العاصمة ومحيطها، والذي كان يعتمد في حظره على قاعدة الوطية الجوية -غرب ليبيا-، لتنجح الوفاق في النهاية في السيطرة الكاملة لأول مرة على سماء المعركة.
 
ونتيجة لبوادر فشل مشروعه العسكري، خاض حفتر مؤخرًا مغامرة بإعلانه إسقاط العملية السياسية بما فيها البرلمان الذي أعطاه لقب قائد الجيش، وأعلن نفسه حاكمًا على ليبيا بتفويض شعبي جديد، وهو ما أدخله في صراعٍ غير مُعلن مع رئيس البرلمان الليبي، وأبرز حلفائه السياسيين المعترف بهم دوليًّا، عقيلة صالح.
 
وظهر رئيس البرلمان الليبي في فيديو مسرب وهو في اجتماع بين قبيلته العبيدات رافضًا تفويض حفتر لنفسه للحكم، قائلًا: «كان يجب طلب التفويض في شيء يملكه»، كما عارض إعلان حفتر السياسي وأكد استمرار البرلمان الليبي في عمله، والأخطر أنه ألمح إلى أنه وجه لحفتر نصيحة قائلًا: «من يسيطر على طرابلس عسكريًّا، بعدها يشكل حكومة ويفوض كيف من يشاء ثم يعترف به العالم، لكن تدير حكومة في برقة –شرق ليبيا- من سيعترف بها؟».
 
الخلاف غير المُعلن بين عقيلة صالح وحفتر ظهرت بوادره سريعًا على الأرض بإعلان كتيبة التوحيد المدخلية السلفية –أبرز مقاتلي حفتر- انشقاقها، وجاء في بيان قائدها أشرف الميار: «ولي الأمر في هذه البلاد هو مجلس النواب المتمثل في المستشار عقيلة صالح، ولا يجوز الخروج عليه في أي حال من الأحوال، ومن خرج عليه فقد نقض البيعة وهذا من الغدر».
 
خسارة حفتر ورقة القوات المدخلية لا يهدد مشروعه العسكري في طرابلس وحسب، بل في سيطرته على شرق ليبيا، لأنه استخدمها للحفاظ على سلطته، وبخلاف الفتاوى القديمة التي شجّعت أتباعهم على الانضمام للقتال معه، فيُنسب لها دور كبير في إسقاط بنغازي بعد معارك طويلة استمرت ثلاث سنواتٍ حتى انتزعتها من قبضة الميليشيات الإسلامية المناوئة لها.
 
الانشقاق الأخير يأتي ضمن سلسلة انسحابات كبيرة في صفوف قوات حفتر في جبهات القتال، نتيجة النشاط الجوي لحكومة الوفاق، وهو ما أدى إلى انسحاب فصائل مرتزقة «الجنجويد» السودانية التي رفضت إرسال مسلحيها من معسكراتها في محيط قاعدة الجفرة إلى محاور القتال في جنوب طرابلس، إلا بعد تأمينها من الضربات الجوية، وهو ما عمّق أزمة نقص القوات التي يعاني منها حفتر بالأساس.
 
الخطر الأكبر حتى الآن بالنسبة للجنرال الليبي، هو عدم تحقيق قواته أي تقدم ميداني في محاور القتال جنوب طرابلس، فبينما يثق حفتر في صمود قاعدة الوطية طويلًا قبل التدخل لتخفيف الضغط عليها، فإن سقوطها سيفقده السيطرة على غرب ليبيا، بينما سقوط مدينة ترهونة لن يُنهي مشروعه العسكري في طرابلس وحسب، بل سيمتد لتهديد وجوده في شرق ليبيا.
 
ومن وجهة نظرٍ عسكرية، ففي حال أسقطت الوفاق مدينة ترهونة، وحافظت على تحييد قاعدة الوطية، فسيبدأ فصل جديد بعد انتهاء معركة طرابلس بالتحول لاستعادة المدن الاستراتيجية وسط ليبيا، والبداية ستكون وفق خُطة معلنة بالاتجاه صوب مدينة سرت –وسط ليبيا- التي استحوذ عليها حفتر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
 
وتكمن أهمية مدينة «سرت» في كونها بوابة العبور إلى منطقة الهلال النفطي التي تستحوذ على 80% من النفط الليبي، إضافة إلى أنها تحتوي على قاعدة الجفرة الجوية، أهم القواعد التي تمدّ قاعدة الوطية بالإمدادات العسكرية، وهو ما يهدد بسقوط الجنوب، ومحاصرة الشرق الليبي، حيث بنغازي، عاصمة حفتر، ولكنها سيناريوهات متوقفة على ميزانية اقتصادية لا تمتلكها الوفاق كما يظهر حتى الآن.
 
ورغم أن كفّة ميزان القوى لا يميل لصالح حفتر، إلا أنّه ما زال يمتلك أوراق قوة لا تؤيد سيناريو سقوطه الوشيك، والأمر نفسه بالنسبة للوفاق، فبخلاف كافة انتصاراتها العسكرية السابقة، فالفصل الأهم في القصة لم يأتِ بعد طالما لم يحسم أي طرف معارك الوطية وترهونة.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات