14 أكتوبر.. مخاضات الثورة وملامح الحاضر القَلِق (تقرير خاص)

14 أكتوبر.. مخاضات الثورة وملامح الحاضر القَلِق
مُسند للأنباء - وحدة التقارير – خاص   [ الإثنين, 14 أكتوبر, 2019 04:58:00 مساءً ]

بزخم مختلف عن الأعوام السابقة، يحتفل اليمنيون بذكرى ثورة 14 أكتوبر هذا العام، سيما أنها تأتي بالتزامن مع المستجدات التي تموج بها خارطة الأحداث في اليمن، وفي القلب منها دعوات التشطير التي تحرِّض عليها كيانات سياسية في جنوب الوطن بإيعاز ودعم من أطراف إقليمية لها أجندتها الخاصة في اليمن.
 
وشكلت ثورة 14 أكتوبر 1963م، علامة فارقة في تسلسل النضال الثوري الذي امتد لسنوات ضد المحتل البريطاني في جنوب اليمن، وإيذانا بانقضاء 130 عامًا هيمن فيها المحتل البريطاني على عدن والجزء الجنوبي من الوطن. 
 
عوامل كثيرة ساعدت في نضج بواعث الفعل الثوري الذي تمخضت عنه ثورة الـ 14 من أكتوبر، أهمها امتداد تأثير ثورة 26 سبتمبر 1962م ضد الحكم الإمامي في شمال الوطن، والتي كانت عاملًا مهمًا وملهِمًا حرَّض عزائم الثوار الناقمين على الوجود البريطاني في الجنوب، على نحو عميق الدلالة في تجسيد واحدية القضية اليمنية شمالًا وجنوبًا تحت راية واحدة وهدفٍ جامع صهر الجميع في بوتقة الثورة.
 
فتيل الثورة
انطلقت الشرارة الأولى لثورة الـ 14 من أكتوبر، من جبال ردفان بقيادة الشهيد الشيخ راجح بن غالب لبوزة، بمعية زهاء 70 من رفاقه المناضلين، بعد أن عاد لتوه من معركته التي شارك فيها إلى جانب الثوار ضد الإمامة في الشمال، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع صلف المستعمر الذي أرسل إليه طالبًا منه ترك السلاح مع غرامة مالية والتعهد بعدم العودة إلى الشمال، فأوجز لبوزة ردّه في رصاصة وحيدة أرسلها في ظرف إلى الضابط البريطاني، ولم يزد عليها، امعانًا في التحدي والاستفزاز للمحتل وإعلانًا للثورة ضده. 
 
كان الرد الحاسم لـ لبوزة كفيلًا باستفزاز الضابط السياسي البريطاني "مستر مينلل" وإثارة عجرفة الانجليز للرد الرادع على هذه الإهانة غير المحسوبة، وهو ما توقعه لبوزة ورفاقه، ووقفوا له موقف الاستعداد، رغم أنَّ الانجليز أبطأوا في الرد مباشرة بهدف الانقضاض على الثوار على حين غفلة، لكن الطرف الآخر وهم الثوار كانوا على علم بالاستعدادات البريطانية عن طريق ما كان يصلهم من معلومات عبر فرقة الاستطلاع التابعة للثوار، حتى وصلت الوحدات البريطانية، وحدث الالتحام الأول في الـ 14 من أكتوبر بقيادة لبوزة، وكان أول من ارتقى شهيدًا في بداية المعركة، بينما استمر الثوار في التصدي لقوات الانجليز وأحبطوا محاولتهم التقدم بأسلحتهم الخفيفة.
 
عن هذه الواقعة يذكر محمد الضالعي في كتابه "حقائق جديدة عن الانطلاقة الأولى لثورة 14 أكتوبر": أن القوات البريطانية لم تستطع التقدم متراً واحداً أمام ضراوة القتال والاستبسال اللذين أبداهما المرابطون في ردفان وبعد ساعات من القتال استشهد راجح لبوزة في هذه المعركة متأثراً بشظايا قذيفة اخترقت جسده ليكون أول شهيد في معركة الذود عن الوطن، والتي انطلقت من جبال ردفان لتعم بعدها كل أرجاء جنوب الوطن اليمني المحتل. ودخلت الثورة باستشهاد لبوزة مرحلة جديدة من النضال ضد المستعمر.
 
واحدية المصير والهدف
مثلت ثورة 14 أكتوبر اختزالًا للهمِّ المشترك حيال المستعمر في كلا الشطرين، تترجم التطلعات الناضجة التي ترعرعت في كنف ثورة 26 سبتمبر، والتي كان من أهم مخرجاتها أن هيأت العُمق الحاضن لثورة 14 أكتوبر، خصوصًا تعز وإب وصنعاء وحجة، الأمر الذي ساهم إلى حد بعيد في اسناد الثورة الوليدة وامدادها.
 
 وكان لمشاركة ثوار أكتوبر ممن انخرطوا مع إخوانهم في ثورة سبتمبر، بالغ الأثر من حيث الحافز ومن حيث الخبرة في حرب العصابات التي دأب عليها الثوار لاحقًا في مواجهة المحتل في جنوب الوطن، خلال العمليات التي كانت من خلال أفراد أو مجموعات صغيرة تتولى تنفيذها على أهداف محددة للإنجليز ساهمت في استنزاف قوة المستعمر وأوهنت جانبه.
 
تعز.. الظهير الخلفي للثورة
بالمثل، حين كانت عدن حاضنة لثوار سبتمبر إبان الحكم الإمامي، مثلت جغرافية الشمال حيزاً مفتوحًا لثوار 14 أكتوبر، ومنطلقا لعملياتها ضد المستعمر، حيث مثلت محافظات تعز وإب وصنعاء وحجة والحديدة ساحة خلفية للثوار، وبؤرة لرسم الخطط والتكتيكات برفقة شركاء النضال الثوري الذين سبق أن شاركوا معًا في ثورة 26 سبتمبر ضد الامامة، في شمال الوطن.
 
لكن الدور الأبرز تجشمته تعز التي كانت بمثابة الرئة الحيوية لثورة أكتوبر ووريدها النابض، حيث لعبت دورًا مهمًا كقاعدة للثوار ومنطلقًا للعمليات والإمداد، وتدريب عناصر الثورة التي تداعى إليها عدد غفير من أبناء تعز والمحافظات المجاورة، بدافع النجدة والتلاحم الوطني، رغم قلة الإمكانيات والتسليح بالمقارنة مع ما بحوزة المستعمر من قوة وعتاد، وقد أفضى ذلك تمتين الصف الثوري على امتداد الجبهة والاسهام في تراخي قبضة المحتل خلال سنوات الثورة التي تلاشى فيها التمايز المناطقي والجهوي وخاض غمارها إسلاميون وقوميون ويساريون، ورجال القبائل وقاتلوا جميعًا في خندق واحد منذ انطلاق الثورة حتى جلا آخر جنود المستعمر في 30 فبراير 1967م.
 
وفي هذا الصدد يقول راشد محمد ثابت في كتابه "ثورة 14 أكتوبر من الانطلاقة حتى الاستقلال" ما نصه: بعد ترتيب الأوضاع الإدارية لعمل هيئات الجبهة في مقرها الرئيسي في تعز وتحديد التخصصات لأعضاء المجلس المركزي في الجوانب التنظيمية، والعسكرية والمالية والإعلامية وشؤون العلاقات والاتصالات المحلية والخارجية، عملت القيادة على توزيع المهام النضالية على عدد من العناصر، وذلك بحسب خصائص وظروف كل منطقة على حدة وقد باشرت القيادة في تعز العمل على إعداد المقاتلين أولاً من جبهة ردفان بقيادة الشيخ راجح بن غالب لبوزة والتنسيق مع مكتب القيادة المصرية في تعز بتحديد فترات زمنية للتدريب في معسكر خاص في "صالة" لنشطاء الجبهة القومية يرمز إليه بعملية "صلاح الدين".
 
ولهذا كانت تعز الحامل الأول لثورة 14 أكتوبر، وعمقًا استراتيجيًا وجغرافيًا ساعد في تعضيد صف الثورة مذ أن كان عودُها غضًا حتى استوتْ على سوقها، ومن اللافت في هذه الجزئية أن الوقائع تعيد نفسها في تأكيد الترابط العضوي بين عدن وتعز، بصرف النظر عن متغير الزمن وهوية المحتل، حيث كانت الأخيرة في طليعة المحافظات التي جاهرت برفضها لبوادر الحملة التي يعد لها الانقلابيون الحوثيون على عدن في مارس عام 2015م، كما شهدت تعز أول خروج جماهيري تنديدًا بما كان يُزمِع الحوثيون القيام به تجاه عدن.
 
و لعل من المهم الإشارة إلى أنه خلال الفترة الأخيرة، كرّست أطراف لها ارتباط بأجندة التقسيم إلى جانب بعض رواسب القوى التقليدية ممن لهم صلة بدولة الإمارات العربية المتحدة جهدها في التحريض ضد تعز وتقزيم دورها ضمن حملات موجهة غايتها شرخ النسيج المشترك بين عدن وتعز، وإذكاء بواعث الفرقة والكراهية ونبذ الآخر وفق معايير الانتماء المناطقي، مع التأكيد أنه في حالات كثيرة لا تجد تلك الدعوات صدى لدى النخب الواعية في الوسط الجنوبي عمومًا وعدن على الخصوص، انطلاقًا من ادراكٍ لحقيقة أن التحريض على تعز وأخواتها هو في ذات الآن تحريض مضمر على عدن، وإن بَدا في ظاهره عكس ذلك.
 
جنوب اليمن إلى أين؟
باستحضار مخاضات ثورة 14 أكتوبر وسيرورة كفاح ثوارها تحت راية وحدوية، يتداعى إلى الذهن الواقع الراهن الذي طرأ على المشهد في جنوب اليمن، أي في الميدان نفسه الذي كان ساحة نضالٍ كبرى ضد المستعمر البريطاني قبل أكثر من نصف قرن، على خلفية التمرد الذي يتولى كِبْرَه ما يعرف بـ"الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات التي تسعى لبسط هيمنتها على الممرات المائية والجزر الاستراتيجية في جنوب الوطن، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق أدواتها المحليين، الذين يعملون لخدمة أجندتها، إلى جانب القوات غير النظامية التي أنشأتها، ويُقدَّر عددها بـ 90 ألف مجند خارج إطار الشرعية.
 
الأمر الذي خلق نسخة مطابقة لسلطة الانقلابيين الحوثيين في الشمال، ما جعل الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا بين انقلابين، الحوثيون في شمال الوطن و"الانتقالي" في جنوبه، وبدعم من ثاني أهم دولة في التحالف العربي الذي يقول إنه جاء في الأساس من أجل إعادة الشرعية، وفي نفس الوقت يعمل على تقليم أضافرها وحشرها في الهامش الضيق، في تناقضٍ بالغ المفارقة.




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات