الشرعية اليمنية والدفاع على نموذج شبوة

الإثنين, 01 فبراير, 2021 05:23:00 مساءً


مضت حتى الآن أكثر من سنة ونصف على الخروج المعلن للقوات الإماراتية من اليمن بحسب ادعاءاتها، لكن مشروعها التخريبي لا يزال يحظى بفرصةٍ لتحقيق أهدافه التي تصل في أقصى تداعياتها الخطرة إلى حد تقسيم اليمن واجتزاء أراضيه، غير أن محافظة شبوة ومحافظها برزا كإحدى العقبات الرئيسية التي تعيق هذا المشروع الإقليمي العدواني البغيض.
 
المؤشرات الميدانية تفيد بتواجد عسكري للإمارات في مينائي المخا جنوب البحر الأحمر، وبلحاف في محافظة شبوة على خليج عدن، حيث يتواجد في هذا الأخير ثاني أهم معمل لتسييل الغاز الطبيعي المسال وتصديره إلى الأسواق العالمية، وفي بعض الموانئ النفطية مثل النشيمة في محافظة شبوة أيضاً وميناء ضبة النفطي في محافظة حضرموت، بالإضافة إلى سيطرتها على مطار المكلا (الريان)، بالإضافة إلى أنها تحتفظ بمعسكر العلم الذي يهيمن على أهم الحقول النفطية في شبوة.
 
فرنسا التي تقدم نفسها على أنها منارة الحربية وحارسة عتيدة للقيم العلمانية، يتجلى موقفها في اليمن كمثالٍ سيئ للتواطؤ الذي يفتقد للأخلاق، وهذا بالتحديد ما تتكفل به شركتها النفطية العملاقة توتال، والتي تقدم أهم إسناد للمشروع التخريبي الإماراتي، فهي ورغم الجدل الدائر في فرنسا، لا تزال تغض الطرف عن تسخير الشركة لمنشأة بلحاف لصالح أبو ظبي والتي تستخدم الميناء كمعسكرٍ ومعتقلٍ رهيبٍ للتغييب والتعذيب.
 
أظهر محافظ شبوة محمد بن عديو إصراراً على استعادة ميناء بلحاف وإنهاء الوضع المأساوي لليمنيين في المعتقلين الذي يتواجد في هذه المنشأة. كما أظهر إصراراً على وقف النشاط العسكري للإمارات في قلب الحقول النفطية اليمنية في المحافظة
 
أظهر محافظ شبوة محمد بن عديو إصراراً على استعادة ميناء بلحاف وإنهاء الوضع المأساوي لليمنيين في المعتقلين الذي يتواجد في هذه المنشأة. كما أظهر إصراراً على وقف النشاط العسكري للإمارات في قلب الحقول النفطية اليمنية في المحافظة، وأثار هذا الموقف حملة سياسية وإعلامية شديدة العدائية، من جانب المنظومة التي تساند المشروع التخريبي للإمارات.
 
حينما اُستدعي المحافظ بن عديو مؤخراً إلى الرياض، حيث لا يزال الرئيس هادي يقيم هناك، بقي المراقبون يتابعون تحركات هذا المحافظ الديناميكي والذي ينتمي سياسياً إلى حزب سياسي تعتبره أبو ظبي عدوا أيديولوجياً، فيما لا تبدو الرياض متحمسة له غير أنها لا تغلق أبواب التعامل معه كشريك سياسي مهم ضمن معسكر الشرعية.
 
توقع أكثر المراقبين تشاؤماً أن الرئيس هادي ربما استدعى المحافظ لإنهاء دوره في محافظة شبوة، لكن بقي الأمل قائماً بأن المحافظ لن يكون ضحية محتملة لمخطط إقصاء رموز الشرعية وصقورها، ذلك أن وجوده في محافظة شبوة يلبي أولوية ملحة للرئيس هادي الذي ينظر إلى المحافظ على أنه ضمانة مهمة لبقاء شبوة في إطار التحالف الجهوي الجنوبي المستهدف من الإمارات والصامد في وجه مشروعها التخريبي، والذي يضم محافظة أبين مسقط رأس الرئيس هادي.
 
السعودية كذلك تحتاج على ما يبدو إلى أن تبقى محافظة شبوة خارج النفوذ الإماراتي، لأنها تمثل حاجزً بين عدن وحضرموت التي تنظر إليها الرياض، على أنها منطقة نفوذ تقليدية لها في جنوب اليمن.
 
موقف الرياض ربما دفع بأبو ظبي إلى أن تُبقي جزء من قواتها في كل من بلحاف ومعسكر العلم، في خطوة مغامرة ومقامرة، لأن محافظة شبوة لم تعد تتسع للنفوذ الإماراتي، ولأنه ليس بمقدور أبو ظبي أن توفر الحماية لوجودها في هذين الموقعين، إذا ما تعرضا للخطر.
موقف الرياض ربما دفع بأبو ظبي إلى أن تُبقي جزء من قواتها في كل من بلحاف ومعسكر العلم، في خطوة مغامرة ومقامرة، لأن محافظة شبوة لم تعد تتسع للنفوذ الإماراتي
 
ويكفي أن نشير إلى أن محافظ شبوة كان حاسماً في التعامل مع خطط للتوسع في مساحة معسكر العلم، عندما أرسل قواته ودمر المنشآت المستحدثة من جانب الإماراتيين، بعد أن تجاهلت القوات الإماراتية إنذاراً واضحاً من المحافظ، بعدم استحداث منشآت جديدة.
 
رسم المحافظ بهذه الخطوة الحاسمة حدود نفوذ وحركة القوات الإماراتية التي تحولت إلى مسمار جحا في خاصرة شبوة والمشروع الوطني، وهذا يعطينا انطباعاً عن كيفية التأثير الذي يمكن أن يحدثه رجال الشرعية إذا أحسن اختيارهم لإدارة أمور الدولة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخي البلاد.
 
عودة محافظ شبوة إلى مقر عمله دون أن يُقال، بالإضافة إلى أن عودته جاءت محملة بالمكاسب الإضافية الآتية من الدعم الرئاسي، وتعهدات من الرئيس هادي بدعم إنشاء جامعة وقصر رئاسي وغطاء مفتوح لاستكمال وإنجاح ميناء قنا الذي تحول إلى مجال لصراع الإرادات داخل معسكر الشرعية نفسها.
 
وزراء المجلس الانتقالي الذين يخضعون كالمجلس الذي يمثلونه لأجندة أبو ظبي؛ هم من يغذي هذا الصراع، وهم من رفضوا ويرفضون تقديم أي دعم للميناء أو الاعتراف به أو منح التراخيص لدخول السفن إليه. لا يريدون كما لا تريد الإمارات ذلك لأن هذا الميناء سيكون أو ميناء في السواحل اليمنية الطويلة الذي لا يخضع سوى للسلطة الشرعية.
 
وزراء المجلس الانتقالي الذين يخضعون كالمجلس الذي يمثلونه لأجندة أبو ظبي؛ هم من يغذي هذا الصراع، وهم من رفضوا ويرفضون تقديم أي دعم للميناء أو الاعتراف به أو منح التراخيص لدخول السفن إليه
 
ميناء قنا هو أقدم ميناء في اليمن القديم، يقع على خليج عدن، في موقع طبيعي يمثل أحد أفضل المواقع لرسو السفن حتى دون منشآت إضافية. اُستخدم هذا الميناء قديماً لتفريغ مادة البخور التي كانت تأتي عبر البحر من الأقاليم الشرقية لليمن ومن ظفار، تمهيداً لشحنها في رحلات تجارية برية إلى شمال الجزيرة العربية عبر مسار طويل أنشئت على جانبيه أهم المدن التاريخية والحواضر الكبيرة في اليمن والجزيرة العربية.
 
استحدث محافظ شبوة رصيفاً في موقع الميناء وأنشأ فيه خزانات للوقود، في خطوة أولية تجعل من هذا الميناء مصدراً لاحتياجات شبوة والمحافظات المجاورة من المشتقات النفطية، وافتتاحه قبل أسابيع عدة لهذه الغاية مثَّلَ ضربة قاصمة للمشروع التخريبي الإماراتي الذي أراد تقويض التجربة الناجحة للسلطة الشرعية في محافظة شبوة، حيث يتأسس هناك نموذج متميز يفند كل الادعاءت التي ألصقت بالشرعية صنوف الإخفاق والفشل، وشيطنت بل و"ملشنتْ" معها كل سياسي أو قائد أو حاكم محلي ينتمي إلى حزب الإصلاح، وهو ما لم يحقق أهدافه مع المحافظ بن عديو ومع محافظ مأرب كذلك حتى الآن.
 
لم يحسم الصراع حول شبوة بعد ولن يحسم بسهولة، لكن الأمر سيبقى مرهوناً بتوفر إرادة رئاسية ضامنة لا يجب أن تستخدم بأي حال من الأحوال للمساومات السياسية أو لإخضاع هذا الطرف أو ذاك، بقد ما تبقى حارسة أمينة على مكاسب الشرعية في شبوة وفي غيرها من المحافظات.
 
 * نقلا عن عربي21