من ينتظر هادي؟

الثلاثاء, 17 سبتمبر, 2019 05:12:00 مساءً


عندما غرّد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل، عن مرض هادي قام الأخير ووضع كاميرا أمامه ثم تحدَّث إلى شعبه. قال: إنَّ شرايينه كلها بخير. باقي الأمور، بما فيها الحرب الأهلية الجديدة التي انزلقت إليها البلاد، لم تكن متعلقة بصحة الرئيس، وهكذا فإنَّ أحداً لم يرَ وجهه بعد ذلك. ثمَّةَ مطالبات هاشتاجية بإطلاق سراح الرئيس هادي. تفترض تلك الدعاوى وقوع الرئيس تحت الإقامة الجبرية في الرياض.
 
في الأيام الماضية هاجمت الإمارات قوات يمنية على مشارف عدن وقتلت ما يقرُب من الخمسين فرداً. في الوقت نفسه، بالقرب من مدينة صعدة، اختفى لواء يناهز حجمه الألفي فرد. قاد الشيخ السلفي رداد الهاشمي، الذي منحته وزارة الدفاع رتبة لواء، تلك المعركة ونجا كما يجري عادة مع القادة. أبقى الحوثيون على بعض الجنود ونقلوهم إلى سجن في ذمار. وفي ليلة دامسة أنزلت مقاتلات التحالف قنابلها على ذلك السجن وقتلت أكثر من مائة فرد، وجرحت مثلهم.
 
هذه الأحداث، مجتمعة، حدثت خلال أيام متقاربة وبقي الرئيس صامتاً. إلا أنَّ أحدهم أشار عليه بضرورة الحديث، فالجلبة عالية وهو القائد الأعلى. وهكذا فإننا تمكنّا من سماع صوت حاد لمذيع ناشئ قال إنَّه كان يقرأ كلمة كتبها السيد الرئيس. قالت الكلمة إنَّ الرئيس يتابع ما يجري، وأنَّه طلب من حكومته أن تتابع مثله ما يجري، وأن تفعل أشياء إذا رأت أنَّ عليها أن تفعل شيئاً. أما هو فلن يفعل شيئاً.
 
ما الذي بمقدور هادي أن يفعله الآن؟ في الأشهر الأولى لعاصفة الحزم قال للسعوديين إنَّ عليهم أن يقوموا بـِ 90 بالمئة من المعركة، وأنَّ نظامه سيحارب في العشرة المتبقية. خرج الحوثيون من المدن تباعاً تحت ضغط مقاومة شعبية واسعة ومساندة عشوائية من مقاتلات التحالف [في العام 2017 بلغت عددت الضربات الخاطئة حوالي 250 ضربة، بحسب تقرير لمنظمة سام].
 
لم يعُد هادي إلى أي من تلك المدن، تركها لفوضى ما بعد التحرير. اشتغل أولاده ومقرَّبوه في عمليات اقتصادية قذرة سبق أن كتبتُ عنها في سلسلة مقالات نشرتها صحيفة "اليمن اليوم" في حينه. أما هو فانشغل في صراع مُميت مع بعض رجاله الأقوياء. يبلغ أفراد المنطقة العسكرية الرابعة، التي يقع القصر الرئاسي في مركزها، ربع مليون عسكري وضابط. هذا الجيش الرهيب، إذا أخذنا العدد على محمل الجد، لم يستطع الدفاع عن مباني الحكومة ولا قصر رئيس الجمهورية. لقد خسر معركة محدودة في ساعات. استعان الرئيس بعد ذلك بكتائب من قريته ومن قرية بعيدة في مأرب، غير أنَّ الإمارات هاجمتها بحسبانها تشكيلات إرهابية. تعرَّضت كتيبة ينتمي أغلب منتسبيها إلى قرية الرئيس لضربة مُميتة من المقاتلات الإماراتية، وعجز الرئيس عن حماية قريته في نهاية المعركة، كما عجز عن مواساتها بالكلمات.
 
بات هادي فاقداً للأهلية، ما يجعله دستورياً فاقداً للمشروعية. ألمح أكثر من مسؤول حكومي إلى صحة الرئيس بوصفها حجاباً بين الرجل ونظامه. بدا هادي حيلة شمالية أكثر منه موضوعاً دستورياً. فمع ترهل الدولة المركزية وتفكُكِها تشبث الساسة الشماليون بهادي، الجنوبي، باعتباره رداً عملياً على الدعاوى الانفصالية المرتكزة في الأساس على مظلومية اجتماعية وسياسية. لكن تلك الحيلة لم يكتب لها النجاح، وها هو الجنوب يذهب بعيداً.
 
ترك هادي جنوب اليمن يراكم مشاكله وانفعالاته حتى انتهى في قبضة مجموعة شعبوية مسلحة. فشل هادي في إدارة كل الملفات التي وضعت على طاولته. كان مصير كل ملف إلى التفكك والتلاشي. كان، ولا يزال، أشبه بـِ"حاجز مقعد". فهو يجلس على مقعد الرئيس فقط لأنَّه ما من رئيس هناك. أما مهامه الرئاسية فهو يتخلى عنها كما لو أنها تخصُّ "الرئيس الغائب".
 
لقد ذهب الدستور اليمني إلى غير رجعة، أعني تلك الوثيقة التي يدّعي هادي أنها تمنحه المشروعية. في صنعاء وما حولها، كما في عدن وما حولها، لا مكان للنظام الأساسي للجمهورية اليمنية. في بقعتين صغيرتين من اليمن، مأرب وتعز، يمكن لدستور الجمهورية اليمنية أن يجد له سلطة وفعلاً. ذهب كل شيء مع الحرب، ومع الحرب ذهبت مشروعية هادي. ويبدو أنَّ ذلك بلا رجعة. وضع هادي تلك المشروعية الافتراضية في قبضة السعودية وراحتْ تستخدمها في هندسة مشروعها في اليمن. ومن وقت لآخر تقرِضها لحليفتها الإمارات لتُغطِّي بها تمدُدها على الموانئ والجزر تحت لافتة "حماية الشرعية السياسية لليمن".
 
تهندس السعودية مسألة المشروعية بطريقة تسمح لها بالتحكم باليمن على المدى القريب والمتوسط. ومع تدهور صحة هادي عملت السعودية حثيثاً على أن يُعقد البرلمان جلسته الوحيدة ليختار "البركاني" رئيساً له. البركاني هو أبرز عناصر تركة صالح، ورثته الإمارات وبدرجة أقل السعودية. بعد تنصيب الرجل لم تعُد السعودية تكترث لانعقاد البرلمان، وفي الأسابيع الماضية رفضت الإمارات عودة البرلمان إلى عدن واقترحت مدينة في الصحراء اسمها سيئون. لقد حسمت السعودية مسألة "الشرعية" مستقبلاً، فأي اختفاء مفاجئ لهادي سيُؤَدي إلى نقل السلطة للبديل الجاهز. ذلك ما يجعل مشروعية هادي أمراً خطراً على شعبه.
 
تبدو "مشروعية هادي" أكثر أهمية للسعودية منها إلى الشعب اليمني. بعد تفكُّك الشعب إلى شعوب كثيرة بقيت أهمية المشروعية السياسية للرئيس محصورة في جغرافيا ضيقة، بقع صغيرة من الجمهورية لا يقدِر الرئيس على الوصول إليها. بعد انتهاء معركة عدن الأخيرة بساعات وضعت صحيفة "14 أكتوبر" صورة عيدروس الزبيدي على غلافها وكتبت فوقها: الرئيس. تفعل صحيفة "26 سبتمبر" الشيء نفسه في صنعاء. وهما الصحيفتان اللتان سُميتا على الثورتين الشهيرتين في الشمال والجنوب. عملياً صار هادي خارج تلكما الجمهوريتين، ولا يزال رئيساً لجمهورية متخيلة يصعب عليه شخصياً تحديد مكانها على الأرض.
 
لم يعُد مجدياً التشبث بمشروعية هادي. التفكك الكبير الذي انزلق إليه اليمن يخبرنا عن زمن ما بعد هادي، عن مشروعية جديدة ذائبة لا تزال في طور "حالة الطبيعة" بلغة جان لوك. تخاض الحرب، في الأشواط الأخيرة، بعيداً عن أغراضها التقليدية. ومن المحتمل أن تستمر مستقبلاً لأنَّ أطرافها ليست جاهزة للاعتراف بالواقعية الجديدة. وعندما تصير الحرب عملاً مملاً، كسائر الأشياء المزمنة، سيعود الناس إلى الحديث عن الشعوب الكثيرة التي فرَّختها الحرب، وعن مشروعية الرئيس التي بددتها المعارك ونتائجها. سيجري حديث عن تلك الشعوب التي سيكون من الصعب إعادة دمجها في دالة سياسية واحدة دون عقد اجتماعي جديد يتجاوز دستور الجمهورية اليمنية ومشروعية هادي. من الأفضل أن نعترف بشعوبنا اليمنية الآن، بأصواتها المختلفة والمتناقضة، وبانهيار العقد الاجتماعي الساري.
 
ربع قرن من الحرب، منذ العام 1994، تجعلها واحدة من أطول الحروب في التاريخ. كان الجنرال هادي جزءاً من سيرة الحرب تلك على مر السنوات. وكما تفعل الحرب بالجنرالات عادة فقد ألقت به في مخبأ وثير في الدولة الجارة. وقد تعلمنا من التاريخ أنَّ الجنرالات الذين تطيح بهم الحرب يفقدون كل شيء، من المشروعية إلى التاريخ. وفي مقدمة الأشياء التي يفقدونها هي طريق العودة إلى الماضي. ذلك ما يدفعنا إلى الاعتقاد أنَّ محاولة إحياء هادي أو الحديث عن تخليصه من الأسر هي محاولات بائسة تجري ضد التاريخ.
 
نقلا عن صحيفة الاستقلال